جزيرة السلام

استلقى الفتى شارد الذهن يتأمل سقف الحجرة ويحرك يديه فى الهواء بحركات لا معنى لها، أعتقد أنه يحاول أن يحفر قبرًا ما، ليدفن به ما حدث!
لا بأس تحدث المصائب أحيانا، يعزي نفسه بهذه الجملة بعد أن هجرته حبيبته، خطف الموت صديقه، فقد عمله، خسر نصف مدخراته ولم يبق له غير ثلث صحته والآن إصبع قدمه الصغير يؤلمه بعد أن ركله قدم الكرسي.

* * *

قبل أن تشعر بالأسى تجاه الفتى، دعني أطمئنك لم يحدث له في الحقيقة أي شيء من تلك المصائب، باستثناء الأولى! الأمر برمته مجرد تمرين ذهني نصحه به صديق قديم، المؤسف أنه مات قبل أن يراه ، “وداعا يا أبكتيتوس”.

* * *

أبكتيتوس، رجل حكيم غاب عن الدنيا منذ زمن بعيد ولكن قبل الرحيل ترك خلفه فتاة غاية فى الجمال، أسماها الناس من بعده “رواقية” أو “الفلسفة الرواقية”، لا أحد يعلم كم تبلغ من العمر، هناك من يجزم أنها تخطت الألفي سنة.

أحب الرجل الفتاة، كابنته، حب ممزوج بالرأفة لحالها، هو يعرف من البداية أنه رجل فَانٍ وسيترك ابنته مكرها يوما ما، سيتركها وحيدة هى ويدها الرقيقة تواجه الدنيا وأغلال أهوائها القاسية. لذا عندما أحس الرجل بقدوم منادي السفر، ترك للابنة رسالة، طواها بإحكام وخبأها تحت وسادتها. بداخل الرسالة وصية ستستخدمها الفتاة لاحقا كسلاح!

* * *
– نص الرسالة –
“يا صغيرتي، لكي تكوني سعيدة في الدنيا عليك بالبلادة.
التحرر من الانفعال وكبح العواطف هما طوق النجاة، بهما فقط بإمكانك الوصول لجزيرة السلام … سلامك الذهني الداخلي”.
– انتهت –
* * *
تخيل أنك تقود سيارتك متأخرَا على موعد ما، لسوء حظك علقت فى زحام لا نهاية له، الأن دعنا نخمن ماذا سيحدث، فى البداية ستخرج الانفعالات بهدوء من مسام جسمك وتهبط لأرضية السيارة، مع مرور الوقت ستمتليء الأرضية بالانفعالات وحينها ستبدأ في الارتفاع للاعلى، ستغرق قدمك أولا، عندها ستشعر بالتوتر، مع استمرار الزحام ستستمر الانفعالات بالخروج والارتفاع لاعلي، الآن وصلت لصدرك ودخلت أنت فى مرحلة الغضب الصامت، أنت غاضب ولكن مازلت مسيطر على نفسك، تستمر الانفعالات فى الخروج، والارتفاع، حتى تصل رأسك وتغمرك تماما، مرحبا بك فى مرحلة الغضب الهائج، أنت الآن ترغب حقا فى إيذاء قادة السيارات المصطفين أمامك.
* * *
التعرض لموقف مزعج، المشكلات، الخسارة .. يلازمهم دائما انفعلات سلبية. أهم ما يميز تلك الانفعالات أنها عقيمة وغير مثمرة، تعمل فقط على إذكاء المزيد من الشعور السيء والغضب والحزن بجانب الشعور السيء الأصلي للمشكلة، بدون أي فائدة تذكر من خلفهم.
* * *
لتحمي نفسك من تلك المشاعر … ومن الغرق … ومن الجزع عند المصائب عليك بالتدريب على التصور السلبي
” لكي تواجه المصائب بحكمة عليك بتخيل حدوث المصائب لك “
تخيل فقدانك وخسارتك كل شيء، تخيل فقدان ما تملك، واختفاء من تحب. تخيل خسارة مالك، صحتك، أطفالك. تمرن على تخيل الخسارة، وتخيل ما ستشعر به من مرارة بعدها! كرر التجربة مئات المرات، تهانينا لقد انتهيت للتو من تجربة كل أنواع لألم ولن يفاجئك شيء بعد الآن، أى كان ما ستخسره فى المستقبل لن يفاجئك، فأنت فقدته من قبل الآف المرات.
* * *
بعد ممارسة التصور السلبي لفترة وإتقانه، الآن أنت جاهز للمرحلة المتقدمة من التدريب، مرحلة الخسارة الفعلية.
” لكي تشعر بالراحة عليك بعدم الإحساس بالراحة “
بدلا من تخيل خسارة الأشياء، اخسرها فعلا … لكن بصورة مؤقتة. تمرن على الفقر وامتنع بصورة دورية على استخدام الاشياء المريحة!
بدلا من تخيل خسارة سيارتك الفارهة، إخسرها وعش يوما بدونها، اذهب للعمل مشيا على الأقدام.
بدلا من تخيل خسارة منزلك، اخسره وتعمد أن تبقى بالخارج أثناء المطر، ارتدي يومها أخف ملابسك، واترك أناملك ترتجف من البرد، ستؤذي نفسك قليلا، لكن لا بأس.
بعد مرورك بتلك التجربة ستشعر بالامتنان لامتلاك سقف … ستشعر بالنعمة لامتلاكك ملابس ومعطف، ومع تكرار التجارب ستتفاجأ يوما وأنت تنظر فى المِرآة، سترى شخصَا آخر … أقل شكوى … ممتنا لأقل ما يملك … أكثر سعادة فى النهاية.
* * *
“إذا قدر لي أن أموت فلن أجد في الإقدام على الموت ما يدعو إلى التأوه والتألم، وإذا قدر لي أن أزج إلى السجن فلن أذهب إليه باكيًا منتحبًا، وإذا قدر لي أن أعاني مرارة النفي فلن أذهب إلى منفاي مكتئبًا متخاذلًا وإذا طلب إلي طاغية أن أفشي سرًا وهددني بأن يقيدني بالأصفاد، قلت له إنك تقيد ساقي ولا تملك أن تمس إرادتي بسوء وإذا أرسلني إلى السجن أمكنك أن تتحكم في جسدي دون أن تمتد قدرتك إلى نفسي، وإذا أنذرتني بفصل رأسي عن جسدي قلت لك ساخرًا: أنا الإنسان الوحيد الذي يستحيل قطع رأسه”
– أبكتيتوس

‎التعليقات‫:‬ 2 On جزيرة السلام

‎أضف رد:

‎بريدك الإلكتروني لن يظهر لأحد

‎مؤخرة الموقع